الشيخ محمد علي طه الدرة
241
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
روى الطبري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « سياحة أمّتي الصّيام » . شبه الصيام بالسياحة من حيث إنه يعوق عن الشهوات ، أو لأنه رياضة نفسانية ، يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت ، أو السَّائِحُونَ للجهاد ، أو لطلب العلم . الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ أي : يديمونها في صلاة الفرض والنوافل على اختلاف أنواعها ومراتبها . الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي : بفعل الخير من إيمان باللّه وامتثال أوامره . وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ : من كفر باللّه ، ومخالفة أوامره ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 71 ] ، وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ أي : القائمون بأداء جميع ما أمر اللّه به ، المنتهون والمبتعدون عن كل ما نهى اللّه عنه ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي : القائمين بما ذكر ، أو الموصوفين بتلك الصفات العظيمة ، ووضع الظاهر موضع الضمير للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك ، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك ، وحذف المبشر به للتعظيم ، فكأنه قال : وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام ، وتعبير الكلام . انتهى . بيضاوي . تنبيه : اختلف أهل التأويل في هذه الآية ، هل هي متصلة بما قبلها ، أو منفصلة عنها ، فقال الفراء : استؤنف لفظ التائبون بالرفع لتمام الآية الأولى ، وانقطاع الكلام ، وقال الزجاج : التَّائِبُونَ رفع بالابتداء وخبره مضمر ، والمعنى : التائبون إلى اللّه العابدون . . . إلخ لهم الجنة أيضا ، وإن لم يجاهدوا ، غير معاندين ، ولا قاصدين بترك الجهاد ، وهذا ؛ وجه حسن ، فكأنه وعد بالجنة جميع المؤمنين ، كما قال تعالى : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 95 ] من سورة ( النساء ) ، ومن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة خاصا بالمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات ، فيكون رفع التَّائِبُونَ على المدح ، يعني المؤمنين المذكورين في قوله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى . . . إلخ ، انتهى . خازن . أقول : ويؤيد هذا قراءة ( التائبين ، العابدين . . . ) إلخ بالياء نصبا على المدح بفعل محذوف ، أو جرا صفة للمؤمنين . تنبيه : واختلف العلماء في الواو في قوله وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فقيل : دخلت في صفة الناهين ، كما دخلت في قوله تعالى : حم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 2 ) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ . فذكر بعضها بالواو ، والبعض بدونها ، وهذا سائغ معتاد في الكلام ، ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة ، وقيل : دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف ، فلا يكاد يذكر واحدا منهما مفردا ، وكذلك قوله تعالى : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً من سورة التحريم ، ودخلت في وَالْحافِظُونَ لقربه من المعطوف ، وقد قيل : إنها زائدة ، وهذا ضعيف لا معنى له ، وقيل : هي واو الثمانية ؛ لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 80 ] وكذلك قالوا في آية التحريم ، وآية الزمر : وَفُتِحَتْ أَبْوابُها ، وفي آية الكهف : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ